صديق الحسيني القنوجي البخاري
44
فتح البيان في مقاصد القرآن
المستمر ؟ وقرىء بألف الوصل فتكون أم منقطعة والمعنى أستكبرت عن السجود الذي أمرت به ؟ بل أكنت مِنَ الْعالِينَ أي المستحقين للترفع عن طاعة أمر اللّه المتعالين عن ذلك ، وجملة : قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ مستأنفة جواب سؤال مقدر ، ادعى اللعين لنفسه أنه خير من آدم ، أي ولو كنت مساويا له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له ، فكيف وأنا خير منه ، وفي ضمن كلامه هذا أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن ، ثم علل ما ادعاه من كونه خيرا منه بقوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وفي زعمه أن عنصر النار أشرف من عنصر الطين وأفضل منه ، لأن الأجرام الفلكية أشرف من الأجرام العنصرية ، والنار أقرب العناصر من الفلك ، والأرض أبعدها منه ، وأيضا النار لطيفة نورانية والأرض كثيفة ظلمانية ، وهما خير منهما ، وذهب عنه أن النار إنما هي بمنزلة الخادم لعنصر الطين إن احتيج إليها استدعيت كما يستدعي الخادم ، وإن استغنى عنها طردت ، وأيضا فالطين يستولي على النار فيطفيها وأيضا فهي لا توجد إلا بما أصله من عنصر الأرض وأن مآل النار إلى الرماد الذي لا ينتفع به ، والطين أصل كل ما هو نام نابت كالإنسان والشجرة . ومعلوم أن الإنسان والشجرة المثمرة خير من الرماد وأفضل ، وعلى كل حال فقد شرف آدم بشرف وكرم بكرامة لا يوازيها شيء من شرف العناصر ، وذلك أن اللّه تعالى خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه ، وأمر بالسجود له والجواهر في أنفسها متجانسة ، وإنما تشرف بعارض من عوارضها . قالَ فَاخْرُجْ مِنْها مستأنفة كالتي قبلها أي فأخرج من الجنة أو من زمرة الملائكة ، وقيل من الخلقة التي كنت عليها لأنه كان يفتخر بخلقته فغير اللّه خلقته واسود بعد ما كان أبيض ، وقبح بعد ما كان حسنا ، وأظلم بعد ما كان نورانيا ، وهذا يدل على أنه لم يكن كافرا حين كان بين الملائكة ، ولأن اللّه تعالى لم يحك عنه إلا الاستكبار عن السجود ، فهذا دليل على أنه صار كافرا حين لم يسجد ، ذكره الطيبي ، ثم علل أمره بالخروج بقوله . فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي مرجوم بالكواكب ، مطرود من كل خير ، ملعون بترك أمره . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 78 إلى 88 ] وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 78 ) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 79 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 ) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ( 88 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ أي طردي لك عن الرحمة وإبعادي لك منها إلى